ابن الأثير

584

الكامل في التاريخ

وكان شيوخ الملثّمين يدبّرون دولة إسحاق بن عليّ بن يوسف لصغر سنّة ، فاتّفق أنّ إنسانا من جملتهم يقال له عبد اللَّه بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمنا وأطلعه على عوراتهم وضعفهم ، فقوي الطمع فيهم ، واشتدّ عليهم البلاء ، ونصب عليهم المنجنيقات والأبراج ، وفنيت أقواتهم ، وأكلوا دوابّهم ، ومات من العامّة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان ، فأنتن البلد من ريح الموتى . وكان بمرّاكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم ، فجاءوا إليهم نجدة ، فلمّا طال عليهم الأمر راسلوا عبد المؤمن يسألون الأمان ، فأجابهم إليه ، ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له باب أغمات ، فدخلت عساكره بالسيف ، وملكوا المدينة عنوة ، وقتلوا من وجدوا ، ووصلوا إلى دار أمير المسلمين ، فأخرجوا الأمير إسحاق وجميع من معه من أمراء المرابطين ، فقتلوا ، وجعل إسحاق يرتعد رغبة في البقاء ، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي ، فقام إليه الأمير سير بن الحاجّ ، وكان إلى جانبه مكتوفا ، فبزق في وجهه ، وقال : تبكي على أبيك وأمّك ؟ اصبر صبر الرجال ، فهذا رجل لا يخاف اللَّه ولا يدين [ 1 ] بدين . فقام الموحّدون إليه بالخشب فضربوه حتّى قتلوه ، وكان من الشجعان المعروفين بالشجاعة ، وقدّم إسحاق ، على صغر سنّه ، فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين [ وخمسمائة ] ، وهو آخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم ، وكانت مدّة ملكهم سبعين سنة ، وولي منهم أربعة : يوسف وعليّ وتاشفين وإسحاق . ولمّا فتح عبد المؤمن مرّاكش أقام بها ، واستوطنها واستقرّ ملكه . ولمّا قتل عبد المؤمن من أهل مرّاكش فأكثر فيهم القتل اختفى كثير من أهلها ، فلمّا كان بعد سبعة أيّام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها ، فخرجوا ، فأراد أصحابه المصامدة قتلهم ، فمنعهم ، وقال : هؤلاء صنّاع ، وأهل الأسواق

--> [ 1 ] يدينه .